تونس تعزز خدمات القرب لكبار السن..نحو ‘شيخوخة نشطة’

تتجه تونس نحو إعادة صياغة مقاربتها لقضايا كبار السن، بالانتقال تدريجياً من الرعاية المؤسساتية التقليدية إلى سياسات تقوم على حماية الحقوق، ودعم الاستقلالية، وتعزيز بقاء المسن في محيطه الأسري والطبيعي.
ويأتي ذلك في إطار تنفيذ الاستراتيجية الوطنية متعددة القطاعات لكبار السن 2022-2030 وخطتها التنفيذية، بالتزامن مع إحياء اليوم العالمي لكبار السن الموافق لغرة أكتوبر من كل سنة.
وتكتسب هذه السياسة أهمية متزايدة في ظل التحولات الديمغرافية التي تشهدها البلاد. فقد أظهر التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024 ارتفاع نسبة السكان الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فأكثر إلى 16.9 %، مقابل نحو 11.4 % سنة 2014، فيما بلغ عدد كبار السن أكثر من مليوني شخص. كما ارتفعت نسبة إعالة كبار السن إلى 28 % سنة 2024، مقابل 18.1 % سنة 2014، في مؤشر على تسارع شيخوخة السكان.
استراتيجية متعددة القطاعات
وقد تمت المصادقة على الاستراتيجية الوطنية متعددة القطاعات لكبار السن 2022-2030 خلال جلسة عمل وزارية في سبتمبر 2022. وتهدف الاستراتيجية إلى تحسين نوعية حياة كبار السن وتمكينهم من حقوقهم وضمان رعايتهم في بيئة آمنة ودامجة، مع تعزيز مفهوم المواطنة النشيطة والتضامن بين الأجيال.
وترتكز الاستراتيجية على خمسة محاور أساسية تشمل الإحاطة الأسرية بكبار السن ورعايتهم في وسطهم الطبيعي، وحمايتهم من الفقر والهشاشة، وضمان النفاذ إلى خدمات صحية ذات جودة، وتعزيز مشاركتهم في الحياة الاقتصادية والثقافية والترفيهية والعامة، إلى جانب تطوير حوكمة القطاع والسياسات الموجهة إلى هذه الفئة.
ويأتي هذا التوجه في سياق ديمغرافي يتسم بتراجع الخصوبة وارتفاع أمل الحياة، وهما عاملان أسهما في ارتفاع وزن كبار السن ضمن التركيبة السكانية. ويشير المعهد الوطني للإحصاء إلى أن مؤشرات الشيخوخة شهدت ارتفاعاً واضحاً خلال العقود الأخيرة، إذ بلغ مؤشر الشيخوخة 73.9 % سنة 2024 مقابل 49.2 % سنة 2014.
350 ديناراً للأسر الكافلة
وفي الجانب الميداني، تركز الخطة التنفيذية للاستراتيجية على تطوير خدمات القرب والحد من اللجوء إلى الإيواء المؤسساتي متى كان بإمكان المسن مواصلة حياته في محيط عائلي ملائم.
وفي هذا الإطار، أفاد مدير إدارة كبار السن بوزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن، عميد العماري، بأن برنامج الإيداع العائلي يشمل حالياً 487 مسناً ومسنة، مع إسناد منحة شهرية قدرها 350 ديناراً للأسرة الكافلة.
ويقوم البرنامج على إسناد كبار السن الفاقدين للسند العائلي إلى أسر بديلة، بما يوفر لهم محيطاً طبيعياً ومناخاً أسرياً يساعد على ضمان العيش الكريم. وتؤكد البوابة الوطنية للخدمات الإدارية أن المنحة الشهرية المخصصة للعائلة الكافلة تبلغ 350 ديناراً، مع متابعة ظروف عيش المسنين المنتفعين بالبرنامج بصورة منتظمة.
وكانت قيمة هذه المنحة قد ارتفعت من 200 إلى 350 ديناراً منذ جانفي 2023، وفق وثيقة رسمية لوزارة الاقتصاد والتخطيط، التي أشارت حينها إلى أن الزيادة ساهمت في ارتفاع عدد المسنين المنتفعين بالبرنامج.
47 فريقاً متنقلاً في 19 ولاية
ولا تقتصر خدمات القرب على الإيداع العائلي، إذ تعمل الوزارة أيضاً على إيصال الخدمات الاجتماعية والصحية إلى كبار السن في أماكن إقامتهم.
وبحسب المعطيات التي قدمها العماري بمناسبة اليوم العالمي لكبار السن، يبلغ عدد الفرق المتنقلة حالياً 47 فريقاً تنشط في 19 ولاية، وتقدم خدمات اجتماعية وصحية مباشرة لفائدة كبار السن، مع توجه نحو توسيع نطاق التغطية ليشمل مختلف جهات البلاد.
وتندرج هذه الفرق ضمن توجه يرمي إلى تقريب الخدمات من المسنين، خصوصاً أولئك الذين يواجهون صعوبات في التنقل أو يعيشون في أوضاع اجتماعية هشة. وكانت وثائق رسمية سابقة قد سجلت تطور عدد الفرق المتنقلة من 25 فريقاً سنة 2023 إلى 41 فريقاً، بما يعكس توجهاً نحو توسيع خدمات الرعاية المنزلية.
من الرعاية إلى المشاركة
ولا تقتصر مقاربة «الشيخوخة النشيطة» على توفير الرعاية الصحية والاجتماعية، بل تسعى أيضاً إلى إبقاء كبار السن فاعلين في المجتمع، من خلال تطوير نوادي كبار السن والفضاءات النهارية وتشجيع الأنشطة الثقافية والترفيهية والاجتماعية.
وتقوم الفكرة على النظر إلى التقدم في السن باعتباره مرحلة يمكن أن تستمر خلالها المشاركة والعطاء، وليس مجرد فترة مرتبطة بالحاجة إلى الرعاية. وهو توجه أكدته الاستراتيجية الوطنية التي تدعو إلى الاستفادة من خبرات كبار السن وتعزيز مشاركتهم في الحياة العامة والثقافية والاجتماعية.
كما تتكامل هذه المقاربة مع منظومة الحماية الاجتماعية وبرامج المساعدة والرعاية الصحية، إلى جانب مؤسسات رعاية كبار السن التي توفر الإيواء للفئات التي تستوجب أوضاعها ذلك.
«إعادة التفكير في الأنظمة من أجل عمر أطول»
وبمناسبة اليوم العالمي لكبار السن، تم تنظيم ندوة وطنية بعنوان «الشيخوخة النشيطة: إعادة التفكير في الأنظمة من أجل عمر أطول»، بمشاركة وزارات وهياكل معنية بمجالات الأسرة والشؤون الاجتماعية والصحة والثقافة.
وأكدت وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن أسماء الجابري في الندوة أن الاستراتيجية الوطنية متعددة القطاعات لكبار السن في أفق 2030 تمثل الإطار المرجعي للسياسة الوطنية في مجال الشيخوخة، مشيرة إلى أن خطتها التنفيذية تتضمن إجراءات وبرامج عملية، إلى جانب آليات للتنسيق والحوكمة وقياس التقدم في التنفيذ.
كما شددت الوزيرة على أهمية الربط بين سياسة كبار السن ومجالات الصحة والحماية الاجتماعية والسكن والنقل والتهيئة العمرانية والثقافة والتحول الرقمي، بما يساعد على بناء بيئة دامجة وصديقة لكبار السن.
وتطرح التحولات الديمغرافية التي تشهدها تونس تحدياً يتجاوز توفير الرعاية إلى إعادة التفكير في موقع كبار السن داخل المجتمع. فمع ارتفاع عددهم وارتفاع متوسط العمر، تتجه السياسات العمومية إلى الجمع بين الحماية الاجتماعية والصحية من جهة، والحفاظ على الاستقلالية والمشاركة والاستفادة من الخبرات من جهة أخرى.
وبذلك، تتحول «الشيخوخة النشيطة» من مفهوم مرتبط بالرعاية إلى مقاربة أوسع تسعى إلى ضمان حياة أطول في ظروف تحفظ الكرامة، وتدعم الروابط الأسرية، وتبقي كبار السن جزءاً فاعلاً من المجتمع.
Quitter la version mobile